التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

حديث ذات ٤٨

بالأمس قررت الكتابة عن شيءٍ ما، فـ جلستُ على كرسي خشبيّ مائل الظهر، ورفعتُ ساقاي لأعلى، ووضعت ساقٍ على أُخرى ثم أسندتهما على الحائط، واَنكببتُ على الورق، لكن بئسَ الكتابة التي تأتي عن قرار! الكتابة الصادقة كـ الولادة تأتي على غير موعد، هكذا تحدث، بعد سيلان من الماء وأشواطٍ من الألم ليعلن عن حدوث حياة تنبثقُ من رحم الآن.  بعد ساعة من التهيئةِ للكتابة لم أكتب! لكنني بكيت. حسنًا، سأعتبر دموعي حروفًا خَجِلة، تخرج على اِستحياء تود أن تطير وأن لا يبقى لها أثر، حروف لا ترغب في الخلود على الورق، ترفض أن يقرأها أحد، أن يحنو عليها أحد، أن يلومها أحد، وأن يجعل منها حدوتة!  حروف مبتورة ترفض أن تضاجعها حروف أخرى لتصبح كلمة، هي ترغب في أن تتبخر وكأنها لم تحدث!  ظلت تهبط دموعي على الورق، حتى هدَأ قلبي لكن ثمة دمعةٍ واحدة ظلت متحجرة في اِحدى زوايا عيني، ترفض الخروج! كأنها طفلة تخاف الخروج للعالم، أدقق النظر في المرأة لأمسح تلك الماسة المتحجرة، ولكنها تبقى مكانها ثابتة!  كان عليّ أن أفهم أن تلكَ الدمعة تحديدًا ليست حرفًا، بل كلمة كاملة، إن خرجت صرخت بالحكاية، وليست كل الحكايات تصلح ل...

حديث ذات ٤٧

في الماضي كنت فتاة تحب التفاصيل، تبحث عنها وتدقق النظر فيها ثم أسكب فيها كل ما أشعر، وأذيب مشاعري فيها بملعقة نارية لأتحول مع الوقت إلى كائن رخامي بلا إحساس، ومن ثم تتحول التفاصيل إلى لعنة على شكل فأس يشق رأسي نصفين ويتحول قلبي إلى فتات.  نضجت الفتاة، وأصبحت امرأة تعبث بالتفاصيل وكأنها خيوط تريكو ثم تتركها جانبًا .. ١٥ أكتوبر ٢٠٢٤ م|بورسعيد

بريد نون ٢

منذ فترة لم أتصفح بريدي الالكتروني؛ اليوم فعلت .. لأجد عدد من الرسائل "مجهولة المصدر" إتسعت عيوني من كم الرسائل التي كادت أن تنفجر في وجهي ثم قررت فتح أول رسالة .. كانت من رجل حروفه باكية  كتب لي عن محبوبة قلبه وزوجته أقصد كانت زوجته تم الإنفصال بعد زواج دام سنوات توجت بطفلة، تعد الآن من الأيتام بل هي أشد يتما .. يسرد سطورا مختصرة عن حياة تبدو سعيدة وهانئة لم ينقصهم شيء ڤيلا في موقع راق بإحدى المدن الجديدة؛ طفلة جميلة الملامح؛ أصدقاء وصديقات من صفوة المجتمع؛ وزوج من حسب ونسب؛ حتى لو كانت الزوجة أقل شأنا! يقول .. كل شيء كان يمنعني أن أرتبط بها؛ لكني فعلت؛ لم أستطع أن أقتل حبي لها أو أن أتجاهل نداء قلبي كلما رأيتها ..  نصحني الأصدقاء أن لا أقترب أو حتى أفكر بها سرا فأنا من عائلة عريقة ومن أصل طيب ولي مستقبل مضمون أما هي فكانت من أسرة محدودة تعمل أمها عاملة نظافة في أحد المولات؛ وطردت أكثر من محل عمل بتهمة السرقة؛ وتوفى والدها في أحد مصحات الإدمان؛ وهي الإبنة الوحيدة بعد أن توفت شقيقتها الكبرى لأسباب غير معروفة؛ ويذاع بين الناس أنها منتحرة .. أخذت الشفقة تلاعبني؛ حتى تحولت إلى ع...

الحب ٣

 لم أجد فِعلا رقيقا يليق بالمحبين بعد تبادل كلمات الغزل وأشعار الحب واللوم والإشتياق؛ مثل الخبيز وصنع الحلوى .. حالة عذبة رغم التوتر وربكة التجهيز تشبه خجل اللقاء الأول بين قلبين جمعهما الحب والرغبة؛ وكان الفضول ثالثهما يقلب كل منهما في مزاچ الآخر بمعلقه خشبية على نار هادئة ليكتشف كل حبيب مذاق وذوق محبوبه .. أحدهم يفلح ويصنع شطائر منثورة بالمكسرات محشوه بالعسل؛ والآخر يجتهد ويقدمها خالية من الحشو مغلفة بطبقة ذهبية من لهيب الإنتظار؛ وكلاهما في رواق العشق تحفهم رائحة الإشتياق وآثار الشغب والإكتشاف ..

حديث ذات ٤٦

الوقت، له أفاعيل عجيبة يرفع ويخفض مقامات الناس في قلبك، ثم يرفع قيمتك على الجميع عندما تدرك قيمة نفسك وتثقلها بما يليق بها. يمكنه أن يساعدك على النسيان، وعلى التشافي، وعلى بناء نفسك من جديد، يمكنه أن يساعدك أن تخرج من الدوائر السامة لكن بهدوء، الوقت كالرجل الأنيق كلاسيكي الطبع يتعامل مع الأمور بترو وحكمة وصبر بالغ، ينظر لك بطرف عيونه وبين شفتيه سيجار، تأكله شظاياه ببطء فتظن أنه ليس مهتما، لكنه الوقت يا صديقي ليس عليه أن يهتم لأمرك، هو يقرص أذنك مرة واحدة ثم بعدها تدرك قيمته. لذا لا تتقبل من أحد معايدة في الصباح الثاني ليوم عيد ميلادك، ولا تتقبل العزاء بعد ثلاث، وليس فرضا عليك بعد مرورك برحلة العناء والتعب ثم التشافي أن تفتح ذراعيك لمن لم يمسح على رأسك وأنت مريضاً! لكن من يهديك جزء من وقته، هو يهديك جزء من عمره، بادله الوقت والعمر والمشاعر، هكذا هي الحياة كؤوس متبادلة ..          بورسعيد | ٢٢ أغسطس ٢٠٢٤ م

حديث ذات ٤٥

في كل بيت؛ ركن مهجور حزين ومظلم؛ أسدلت الستائر عليه منذ زمن؛ فتكومت الذكرى فيه وصدى الضحكات والهمهمات؛ ونسجت خيوط العناكيب؛ وتحول لغار .. غار يسكن فيه رائحة من نحب؛ وبقايا حديثه؛ وجزء من أشياؤه؛ وتجاعيد جلسته على مقعد أو سرير .. لا نستطيع أن نقترب؛ فالمطارح المهجورة لها لعنتها؛ ربما تصيب من يتجرأ على جلالها؛ فتجعل قلبه يدمي ..

حديث ذات ٤٤

للجسد ذاكرة ذات كبرياء؛ لا تستدعي الذكرى الأليمة؛ هي تنتظر حدوث الحدث ليخبرك بطريقته القاسية؛ أن ثمة مشاهد متكررة؛ مشاهد وربما مشاعر! منذ عشرون عاماً تركني الفتى الذي كنت أحب لأن أباه وأبي لم يتفقا ولأسباب أخرى معقدة انفسخت الخطبة؛ ومن حينها وأنا أمارس الفقد والفراق وتارخ الأيدي! كان غضبي مكتوما وسؤالي الحزين يأبى الخروج للكبار! ابتلعت غضبي؛ وأخذت أسئلتي الساذجة تحت جلدي ومشيت - مشيت مشوارا طويلاً كنت أبحث في الشارع عن إجابة؛ أو ربما عن فتاي الذي كان يحب السهر حتى الصباح؛ وربما كنت أحاول الهروب! أظنني كنت أحاول الهروب من البكاء ومن السؤال ونصائح أبي التي كانت في تلك الليلة سبباً في صداع مزمن لقلبي دام لأكثر من عشرون عاماً! مشيت حتى وصلت لبيت جدي؛ ولكنني لم أصل لشيء لا لفتاي؛ ولا لإجابة سؤالي؛ ولا حتى استطعت الهروب! ثم توقفت عن السير عندما تعب قدمي؛ ولم يعد لي القدرة أن أسير لكنني أريد أن أمشي بلا توقف؛ لقد كانت رغبة قلبي اللاهث؛ لم تكن رغبة قدمي الذي بالفعل قد وصل لنهاية الرحلة؛ لكن شغف قلبي الذي لم يذبل حينها هو الذي دفعني بأن أسير على الإسفلت وكأنني عصفورة بين السحب؛ عصفورة لكن بقلب ...

حديث ذات ٤٣

كانت چدتي تجيد الخبز والطبخ والحياكة واضحاك قلبي؛ أما أمي فلها فنون أخرى؛ وحدها تملك تميمة حب وشفاء؛ تمسح بها عن جسدي ما علق به من الآلام!  كلما كبرت اشتقت لرحم أمي؛ وكفوف جدتي؛ وفستاني الوردي وألعابي؛ أظن بنفسي بأنني أستطيع مواكبة العالم؛ لكنني للحق؛ لا أريد تلك الحروب أو ربما لا أملك القدرة من الأساس! أنا في الأساس انسان يميل للحياة السهلة والطقوس اللطيفة؛ لماذا تعاركني الحياة إذن؟ أنا أريد رحم أمي؛ حيث لا يراني أحد؛ يحاوطني ماء الحياة؛ أشارك أمي أنفاسها وطعامها ودقات قلبها؛ ثم أخرج لدار جدتي لتضمني بكفوفها؛ ثم لا أكبر أبداً .. ولا يرحل أحد منا؛ ونظل معا إلى الأبد. بورسعيد | ٢٨ يناير ٢٠٢٤

حديث ذات ٣٩

 أنا حامل. رسالة كتبتها لي صديقتي؛ تحمل بين حروفها صبر سنوات طويلة، تنتظر شهراً بعد شهر، عاماً بعد عام، على مدار عشر أعوام وربما أكثر، ونحن ننتظر، ونتمنى ونحلم، ونصبر وندعو الله أن ينبض رحمها بالحياة؛ ويحقق لها ما تتمنى .. كنت أتمناه بنتا لأهديها الفساتين والفيونكات وأعلمها الرقص والرسم والعزف على البيانو؛ ثم نتعلم معا كيف نختار طلاء الأظافر المناسب وألوان الروچ؛ ولأمنحها كل الحب والدلال؛ البنات تخطف قلبي؛ وترققه وتترك فيه عذاب وقلق عليهن من الأيام .. لكن جاء يحيى ليخلصنا من كل هذا التوتر؛ ليبدأ توتراً من نوع آخر؛ توترا بمزاچ الصبيان؛ مرت شهوراً بعد حضور يحيى للحياة؛ وأنا تاركة الشيماء تستمتع بممارسة الأمومة التي طال إنتظارها .. فتهاتفني "الولد قرب يكمل سنة وانتي ماتعرفيش ملامحه" . ثم تحمله وتأتيتني به؛ وتتركه على ذراعي؛ أقول لنفسي سرا .. "مابعرفش أتعامل مع صبيان ياربي" بكفه النونو ضم أُصْبُعي ومضغه؛ فدغدغ قلبي دغدغة حنونة أحببته؛ وأحببت كل صبيان العالم من أجله .. تأسرني لغة الأطفال بنين وبنات وتبهج قلبي؛ أتسأل ما الذي يود أن يخبرني به عند ضم أصابعي؛ هل يوصيني بأمه ...

حديث ذات ٤٢

وإذا سألتك ياصديقي عن حالُك لا تقُل أنا بخير وأنت غير ذلك. أنا أرى حالُك في عُيونك، في تلعثُم كلماتك وفي رعشة صوتك الباكي. قُل لي بصدق عن حالك الذي لا يعلمهُ إلا جُدران حُجرتك، ووسادتك التي تحمل عبء قلبك ورأسك. أخبرني عن بُكاؤك الذي يحدُث بعد أن تُغلق أبوابك عليك، وبعد أن يرحل الجميع، وبعد أن تنقطع نقر خطواتِهِمْ الثابتة عنك لبعيد. قُل لي عن تِلك الكلمات التي كتبتها في ورقة ثم ألقيت بها في سلة مُهملاتك حتى لا يرى إنكسَّار رُوحك أحد. قُل لي ياصديقي، فـ أنا صديقتك المُقربة، لماذا جعلت الجمَّاد أقرب لكَ مني .. ؟ بورسعيد | ٢٠ يناير ٢٠١٧

حديث ذات ٤١

 رغبة في عُطلةٍ طويلةٍ  مُمتدةٍ لآخر النفق  نفقِ الحياة التي أحياها أقصد التي تعيشني كل يوم .. هُناكَ كوبري بالقرب من مكان عملي كبري عالٍ وشاهقٍ لكنه ليس عتيقاً كالناس الذين يسيرون وينامون ويشحذون من تحته ويستترون بظله! الناس من تحتهِ يشبهونَ الأحجار العتيقة   التي كانت فحماً شديدَ السواد  فأحرقته ألسنة النيران التي لا ترحم .. فصاروا أحجاراً ولكنها ليست كريمة كما نظن!  بل أحجارٍ تُلقِفها الأقدام ..  - هُنا القاهرة -  - ١٩ يناير ٢٠٢٣ -

حديث ذات ٤٠

عند عودتي لبورسعيد تستقبلني ماما بالوجبات اللذيذة والكعكات التي أُحب؛ في هذا الصباح صنعت لي بسكوت بالينسون؛ طعمه شهياً وخفيفاً على المعدة المُرهَقة؛ ماما صنعت لي أيضاً كوب شاياً باللبن؛ المشروب الذي يصفونه بمشروب الطيبون! أعرف طيبون يشربون اللبن سادة لأنهم على حد وصفهم لأنفسهم (طيبون للغاية)!  أما أنا فكنت أفضل القهوة بجنون لكنني منذ شهوراً إنقطعتُ عن كل الأفعال والعادات التي تجعل قلبي في حالة لهث! قراءة روايات شديدة العاطفية؛ جلسات مفتعلة غير حقيقية؛ مشروبات تجعل قلبي وكأنه يركض! وأنا أريد أن أستريح؛ وأن أمارس دلالي حتى لو في أبسط الأشياء؛ ومع هذا أظنني لن أنتمي يوماً ما لنادي الشاي باللبن؛ لأنني ببساطة أحب الأشياء ذات الوجه الواحد!  الصورة من الإنترنت ١٤ يناير ٢٠٢٤ | بورسعيد

حديث ذات ٣٨

ينقر المطر بحباته على زجاج نافذتي، فأقفز من سريري وكأن أحدهم يناديني، أفتح نافذتي على مصرعيها، وأنا حافية القدمين، يلفحني الهواء البارد، يطير شعري، يطير قميصي، فيشف ما تحته، أنظر للسماء، فتهبط دموعها على وجهي، فلا أعرف هل هذا بكائها أم آثر بكائي .. أراقب النجوم وهي تبهت، تظل تبهت حتى أظن أنها تحترق، أنظر للقمر وكأني أرجوه أن لا يختفي، ف ليل الشتاء طويل وبارد وليس هناك من يقاسمني قسوته. أطل بنظري لبعيد لأري الثلاث شجرات، بعد أن أصبحن عاريات من أوراقهن، يقفن في خشوع وكأنهن في صلاة طويلة، رغم الحزن والأسى الذي يبدو على جذوعهن .. أسمع بكائهن، وأشاركهن أحيانا، فأنا يوما ما كنت شجرة، قبل أن ينبت فوق ظهري جناحين .. بكاء الشجرة مؤلم، أن تمر من جوارها، أو تستند عليها، أو تنقش عليها أسم من تحب، أو تأتيها الطيور من كل مكان لتنسج بين فروعها عش صغير لفراخها وتعود لهم في المساء .. ثم يأتيها أحدهم دون حق الرفض أو القبول منها ويسلبها حق الحياة، ويبتر عروقها من الأرض .. أنظر للقمر من جديد، عاد كطبق من نور، وكأنه اغتسل بالمطر، والنجوم أصبحت أكثر اقترابا، وكأن بيني وبينها أن أقف على أطراف أصابعي، ولكني ا...

بنفسج ٣

  بنفسج | مارس ٢٠٢٢

بنفسج ٢

في واحدة من المواقف التي لن أنساها أبدا .. كنت في إحدى الشركات أسدد فاتورة تليفوني وكانت بجواري سيدة منتقبة؛ تنظر لي بدقة وتطيل إلي النظر، شعرت بالحرج، وشعرت أن بي شيئا ليس مريحا أو صحيحا.  نظرت لنفسي جيدا، أنا محتشمة، وملابسي فضفاضة، أسأل نفسي بغيظ لماذا تنظر لي هذه النظرات! ثم تجرأت: في حاجة؟  أبدا يا حبيبتي: انتي مصرية؟ ابتسمت لها وهززت رأسي بالإيجاب  ثم جلست لأنتظر دوري فجلست جواري  نظرت لها دون أن تشعر وجدت حجابها باليا عبائتها ممزقة، حذائها ممزق، ثم تمزق قلبي لما رأيت. أنا عندي 55 سنة وعندي ولد واحد بس مطلع عيني انا أرملة ونفسي اتجوز تاني بس هو مش راضي، جالي ناس كتير مناسبين وكنت برفض علشانه، لبست النقاب دا غصب عني أنا جميلة جدا ع فكرة، بس أبوه كان بيغير عليا وهو كمان اتعلم منه الطبع دا، والله يا بنتي أنا في عذاب ومعرفش أنا بحكي لك ليه! سردت حكاية كاملة من العذاب والتملك والسيطرة ونكران الذات .. تبدو فعلا جميلة، وبسيطة، وطيبة القلب .. لكن ما لفت نظري وشغف قلبي طفولتها المكبلة التي شعرت بها دون أن تتحدث.  سددت فاتورتها ثم انتظرت قليلا بالخارج كنت لا أعلم أن...

بنفسج ١

تجذبني من أطراف ثيابي، فأنظر لهذا الكائن الذي لا يتجاوز طوله رُكبتي، ثُم أجلس في وضع القُرفصاء ليتساوى الطول بيننا، وتقترب المسافات. چنة، اِسمُها چنة، طفلة جميلة، خفيفة الظل، وليست مُطيعة، عنيدة، ذكية، ومُشاغبة .. وللحق أنا أُحب الأطفال اللذين نقول عليهم "أشقياء" إن جئنا للحق نحن الأشقياء، المُتعِبين، المُتعَبين، لكن هم رُوح المكان، رُوح العالم بآسره، صوت الملائكة آينما حلّت في أي بقعة على الأرض. طلبت مني چنة أن أُهاتف أُمها، لتحضر حفل عيد ميلادها، لقد اشترت لها "چنة" كارتاً مكتوب عليه بخطٍ مرتعش "بحبك ياماما". طلبتُ من چنة أن تمنحني الوقت وتصبر قليلاً، عقدت حاجبيها ووضعت ذراعها الصغير على خصرها وردت "لحد امتى". ابتعلتُ ضحكتي، فأنا مُعلمتها ويجب عليَ أن ألتزم بالقليل من الحزم، أنا أُحاول طوال الوقت، لكنني أريد ان أخلع رداء الكبار وأركض معهن حتى أرتمي على الأرض مثلهن. كذبتُ عليها وأخبرتها أنني اتصلت بالفعل بأُمها، وأنها ستحضر، لكن الحقيقة أن أُمها إعتذرت عن الحضور، وأخبرتني أنها لن تحضر مرةٍ ثانية، لأن زوجها رافضاً أي إتصال بشيئ يُذكرها بزوجها الأ...

حديث ذات ٣٧

غزلت من الصبر، ثوبا أنيقا، يحسدني عليه المقربون، هم لا يرون تلك القروح التي أصابت روحي، ثوبي لا يكشف ولا يصف، وطبقات قلبي رقيقة، تمزقها كلمة، ورغم رقتها، يستطيع قلبي أن يصبر من جديد، وكأنه لم يصبر من قبل، فيعود ويغزل أثوابا أجمل .. هكذا دائما، كلما زادت حمولته، وقرب صبره على أن يفرغ، صنعت ثوبا جديدا، يليق بي، وبمقاسات روحي .. ١٣ نوڤمبر ٢٠١٨ | بورسعيد 

حديث ذات ٣٨

بعد منتصف الليل، أنت وحدك تماماً تشاركك السهرة دميتك، وكتابك الذي تحاول أن تقرأ فيه، فتتلاشى السطور وتذوب حبكة الرواية منك، تحاول أن تفر من تلك الأفكار التي لا تأتيك إلا في تلك الساعة! الجميع في سبات عميق، وأنت تحاول أن تقنع نفسك أنك بخير، فتضم دميتك الصغيرة إلى صدرك وتدعي النوم .. بالأمس، الأمس البعيد، عندما كنت صغيراً كان هذا يهون عليك كثيراً عندما كنت تظن أن دميتك تسمع وترى وتشعر وتشاركك قراراتك الهامة، فتشعر أنك لست وحيداً حتى لو لم يكن لك من الأصدقاء والأخوة الكثر. أما الآن، أنت كبير، كبير أن تعترف بأحزانك للأصدقاء، وأن تذهب لفراشك مبكراً - وأن تضم دميتك إلى صدرك، كبير لدرجة مثيرة للشفقة، حتى بعد أن رحل الجميع عنك، رفضت الدمية الجماد أن يبلى قماشها، وأن تلفظ حشوها، فتتلاشى عنك مثل الجميع، واختارت أن تبقى بجوارك، تنتظرك أن تخلع عنك رداء الكبار، وتضمها إلى صدرك ببراءتك القديمة ربما تنام سعيداً .. ٢٢ أكتوبر ٢٠٢١ | بورسعيد 

حديث ذات ٣٧

تسألني سيدة: لماذا تفضلين المكوث ببيتك طوال أيام الأسبوع؛ بينما الخروج لمكان جديد أو السفر؛ أو الترجل في حديقة واسعة؛ أو حتى الجلوس في مقهى بسيط؛ أفضل؛ ووسيلة من وسائل التجديد والتغيير؛ وضخ دماء جديدة لحياتك الراكدة!  أجبت: في بيتي أنا حرة؛ كل الأماكن البعيدة والقريبة رغم جمالها واختلافها هي للجميع؛ الجميع يشارك الجميع لحظاته الخاصة؛ يمكن لأحدهم أن يرمقني بفضول وأنا في لحظة بكاء؛ أو تتودد احداهن لي لمجرد الفضفضة؛ بينما ذاتي في لحظة فضفضة غير مسموعة .. سقف بيتي يغطيني؛ أما في الخارج أنا عارية؛ ولو غطى جسدي كله سواد الغرابيب .. ذات مساء؛ كنت جالسة وحدي في احدى المقاهي الراقية البعيدة؛ خلف شاشة اللاب توب؛ غارقة في كتابة نص عنيد؛ وعيوني ترفض البكاء؛ مرت ساعة وأنا في حالة توسل للحروف أن تتصالح وتتضاجع على سطور الصفحة؛ حتى ضجرت .. نظرت للجرسون أن يقترب؛ لآسد فاتورة ساعة من العمر كانت ثقيلة وجافة؛ شربت على نخبها قهوة مره .. اقترب خطوتين؛ وبصوت خفيض  الأستاذ دفع يا فندم ثم أشار برأسه ليساره  أنظر لأجده شخصا غريبا عني لا أعرفه؛ بخطوات وقورة؛ اقترب مني ومد يده وعرف نفسه .. نظرت ليد...

حديث ذات ٣٦

كُنا صِغاراً ننتظر القطار بلهفه، نُراقبه من بعيد حتى يقترب، يقفُ دقائق معدودة على رصيف الإنتظار، فيجري نحوه زُملائي بخطواتٍ مجنونة وضحكاتٍ بريئة .. فتايات وصبيان فارحين بإنتهاء الإمتحانات والسهر وعناء السفر طوال العام كانوا يتزاحمون من منهم سيركب أولاً، ليجلس بجوار النافذة ويُراقب الطريق ويُداعب الهواء ويحكي للنجوم قصصه القصيرة .. أما أنا لا أزاحم احد ولا أركض، كنت أركب بهدوء وعلى وجهي إبتسامة صافية وعلى ظهري حقيبة مُحملة بثيابي وأدواتي وأحلامي الصغيرة وبعض رسائل أرسلتها لي بين طيات كتاب، وفي قلبي حنين أن أجلس بجوارك .. أعلم أنك تنتظرني، رأيتك من خلف زجاج النافذة وأنت تبحث عني بينهم بنظرات صِبيانية وبيدك كيس من الحلوى وقطع الشيكولاتة التي أٌحبها وباليد الأُخرى ورقة الإمتحان، كان آخر يوم لك في الإمتحانات وكُنت أنا كذلك ..  كنت مُتعبة وُمرهقة وكنت أُحبك جداً، ركبت القطار وكان الزحام حولي يخنقْ الحميع إلا أنا .. لا شعرتُ بزحامْ ولا بعناء سفرٍ طويل ما دُمت أنت رفيقي .. جلستُ بجوارك في المقعد الخالي، وإستندتُ على ذراعك وغفوتُ في أمان حتى وصلنا إلى الوطنْ .. بورسعيد |١٧ أكتوبر ٢٠١٦ ...